الثعلب والبستانيّ

   في ليلة من اللّيالي المقمرة، كان ناطور البستان نائمًا في خيمته العالية المطلّة على أكثر نواحي حقله المزروع بأشجار المشمش. وعند طلوع الفجر، أحسّ بحركة في البستان فلم يبالِ بها كثيرًا، فعاد يغطّ في نومه حتّى الصباح.

   عندئذ قام إلى عصاه الطويلة وحملها وسار يتجوّل بين الأشجار يتفقّد أثماره الناضجة. وفي أثناء تجواله، أبصر ثعلبًا ملقًى على الأرض، ثخين الذنب، منتفخ البطن لا يبدي حراكًا. فاقترب منه وركله برجله ثمّ لكزه بعصاه فلم يتحرّك ولم يبدُ منه ما يدلّ على الحياة، فظنّه مائتًا، ولم يكن إلّا متماوتًا. فأخذه بذنبه وجرّه حتّى وصل إلى حائط عالٍ، ورمى به إلى أسفل، فانفجر بطنه وزالت نفخته التي سبّبها شرهه، إذ إنّه، كما ظهر، قد أكل كثيرًا من المشمش الناضج والفجّ حتّى مرض وارتمى على الأرض، لا يستطيع الإفلات، فجاء البستانيّ وأنقذه من المأزق بأن رماه على بطنه، فأراحه من الثقل.

   وكم كانت دهشة البستانيّ عظيمة عندما شاهد الثعلب على قوائمه الأربع، يهرول تارةً ويقف طورًا ليلتفت إلى الوراء ويحدج منقذه بنظرات تدلّ على الاستهزاء الممزوج بفرح النجاة، وكأنّه يريد أن يقول له: مسكين أنت أيّها الناطور! لم تنفعك عصاك الطويلة الغليظة ولا زنودك المفتولة وعضلاتك القويّة. لقد تغلّبت بحيلتي وتمارضي على قوّتك وذكائك!

   وكان البستانيّ ينظر إليه مبهوتًا، يكاد يتميّز1 من الغيظ لإفلات هذا الحيوان الخبيث من ضربات عصاه بعد أن سرق المشمش من دون أن يحسب لحارسه أي حساب. 

                                        يوسف س. نويهض


1 - تميّز: تقطّع وتمزّق منه.